محمد طاهر الكردي

44

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وبالفعل فقد وفقني اللّه تعالى لتأليف كتابي المطبوع بمصر المسمى " مقام إبراهيم عليه السلام " وذلك سنة ( 1367 ) سبع وستين وثلاثمائة وألف هجرية ، وأعتقد أنه هو الكتاب الأول الذي ألف عن المقام الكريم الذي هو أمام الكعبة المعظمة . ولم يكن يطرأ ببالي قط أنني أشتغل بتأليف تاريخ عن مكة المشرفة وخدمة بيت اللّه المطهر ، وإذا هجس بقلبي ذلك كنت أستبعد وقوعه لما في ذلك من المشقة الكبرى والتعب العظيم ؛ لأنه ليس من السهل وضع تاريخ مفصل عن هذه البلدة المقدسة الطاهرة العريقة في المجد والشرف والخير والبركة . فلما مضت ثمان سنوات على تأليفي كتاب " مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام " إذا بنا نسمع أن حكومتنا السعودية قد عزمت على توسعة المسجد الحرام بمكة المشرفة ، وإذا أنا قد انتخبت رسميا أن أكون عضوا في اللجنة التنفيذية لتوسعة وعمارة المسجد الحرام ، فقلت الحمد للّه وعلى بركة اللّه ولابد أن يكون لي في هذا الأمر شأن يذكر ، فلما كان في شهر شعبان ( 1375 ) ألف وثلاثمائة وخمس وسبعين ، شرح اللّه تعالى صدري لتأليف تاريخ عظيم من بلد اللّه الأمين ( مكة المكرمة ) وعن بيته المطهر ( الكعبة الغراء ) وعن المشاعر العظام وعن طرق الحج ومسالكه ، وكلما مر يوم من شعبان ازدادت رغبتي في الاشتغال بوضع التاريخ ، وإذا بي أجدني في يوم من الأيام أخذت في أسباب التأليف ، وسألت اللّه تعالى العون والإمداد في هذا العمل المجيد ، وتوكلت على الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، فكتبت أول ما كتبت من التاريخ مبحثا عن كسوة الكعبة الداخلية والخارجية بإسهاب وترتيب مبتكر ، فكنت موفقا وللّه الحمد إلى أقصى حد ، وقد أتممت هذا المبحث بعد ثلاثة أشهر وهي : شعبان ، ورمضان ، وشوال . ولقد سررت جدا بإتمامه كما ينبغي وإن تعبت في ذلك تعبا عظيما لا يعرفه إلا من مارس التأليف ، كما قال الشاعر : لا يعرف الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها فالتأليف أمر لا يستهان به ، ورب قائل يقول : ما سبب بدئك بالكتابة عن مبحث الكسوة ؟ فأقول : ليس له سبب علمي ولا سبب فني وإنما هكذا جاء مبحث الكسوة من ابتداء الأمر فمشيت فيه حتى أتممته ، ولقد جرت عادتي في تأليف الكتب ، أنني أكتب مباحث الكتاب وفصوله وأبوابه ، حتى إذا ما انتهيت منه أرتبها ترتيبا حسنا ، فالمؤلف يجب عليه أن يتبع الفتوحات الإلهية ، وأن ينتهز